فخر الدين الرازي

124

تفسير الرازي

أي كتبته ، وكل كتاب زبور . قال الزجاج : الزبور كل كتاب ذي حكمة ، وعلى هذا : الأشبه أن يكون معنى الزبور من الزبر الذي هو الزجر ، يقال : زبرت الرجل إذا زجرته عن الباطل ، وسمي الكتاب زبوراً لما فيه من الزبر عن خلاف الحق ، وبه سمي زبور داود لكثرة ما فيه من الزواجر والمواعظ . وقرأ ابن عباس * ( وبالزبر ) * أعاد الباء للتأكيد وأما " المنير " فهو من قولك أنرت الشيء أي أوضحته ، وفي الآية مسألتان . المسألة الأولى : المراد من البينات المعجزات ثم عطف عليها الزبر والكتاب ، وهذا يقتضي أن يقال إن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم ، وذلك يدل على أن أحدا من الأنبياء ما كانت كتبهم معجزة لهم ، فالتوراة والإنجيل والزبور والصحف ما كان شيء منها معجزة ، وأما القرآن فهو وحده كتاب ومعجزة ، وهذا أحد خواص الرسول عليه الصلاة والسلام . المسألة الثانية : عطف " الكتاب المنير " على " الزبر " مع أن الكتاب المنير لا بد وأن يكون من الزبر ، وإنما حسن هذا العطف لأن الكتاب المنير أشرف الكتب وأحسن الزبر ، فحسن العطف كما في قوله : * ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ) * ( الأحزاب : 7 ) وقال : * ( من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ) * ( البقرة : 98 ) ووجه زيادة الشرف فيه إما كونه مشتملا على جميع الشريعة ، أو كونه باقياً على وجه الدهر ، ويحتمل أن يكون المراد بالزبر : الصحف ، وبالكتاب المنير التوراة والإنجيل والزبور . قوله تعالى : * ( كل نفس ذائقة الموت ) * . اعلم أن المقصود من هذه الآية تأكيد تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام والمبالغة في إزالة الحزن من قلبه وذلك من وجهين : أحدهما : أن عاقبة الكل الموت ، وهذه الغموم والأحزان تذهب وتزول ولا يبقى شيء منها ، والحزن متى كان كذلك لم يلتفت العاقل إليه . والثاني : ان بعد هذه الدار دار يتميز فيها المحسن عن المسئ ، ويتوفر على عمل كل واحد ما يليق به من الجزاء ، وكل واحد من هذين الوجهين في غاية القوة في إزالة الحزن والغم عن قلوب العقلاء ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله : * ( كل نفس ذائقة الموت ) * سؤال : وهو أن الله تعالى يسمى بالنفس قال : * ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) * وأيضا النفس والذات واحد فعلى هذا يدخل الجمادات تحت اسم النفس ، ويلزم على هذا عموم الموت في الجمادات ، وأيضا قال تعالى : * ( فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) * ( الزمر : 68 ) وذلك يقتضي أن لا يموت الداخلون في هذا